سيد محمد طنطاوي

442

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

وهذا الأسلوب يرد كثيرا في القرآن الكريم ، ومنه قوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ . . أي : إذا أردتم القيام للصلاة فاغسلوا . والمراد بالنساء هنا : الزوجات المدخول بهن ، لأن غير المدخول بهن خرجن بقوله - تعالى - : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِناتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ ، فَما لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَها « 1 » . واللام في قوله - سبحانه - : فطلقوهن لعدتهن ، هي التي تسمى بلام التوقيت ، وهي بمعنى عند ، أو بمعنى في ، كما يقول القائل : كتبت هذا الكتاب لعشر مضين من شهر كذا . ومنه قوله - تعالى - : أَقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ . . : أي عند أو في وقت دلوكها . وقوله : * ( وأَحْصُوا الْعِدَّةَ ) * من الإحصاء بمعنى العد والضبط ، وهو مشتق من الحصى ، وهي من صغار الحجارة ، لأن العرب كانوا إذا كثر عدد الشيء ، جعلوا لكل واحد من المعدود حصاة ، ثم عدوا مجموع ذلك الحصى . والمراد به هنا : شدة الضبط ، والعناية بشأن العد ، حتى لا يحصل خطأ في وقت العدة . والمعنى : يا أيها النبي ، أخبر المؤمنين ومرهم ، إذا أرادوا تطليق نسائهم المدخول بهن ، من المعتدات بالحيض . فعليهم أن يطلقوهن في وقت عدتهن . أي : في طهر لم يجامعوهن فيه ، ثم يتركوهن حتى تنقضي عدتهن . وعليهم كذلك أن يضبطوا أيام العدة ضبطا تاما حتى لا يقع في شأنها خطأ أو لبس . قال الإمام ابن كثير ما ملخصه : خوطب النبي صلى اللَّه عليه وسلم أولا تشريفا وتكريما ، ثم خاطب الأمة تبعا ، فقال : * ( يا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذا طَلَّقْتُمُ النِّساءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وأَحْصُوا الْعِدَّةَ . . . ) * . روى ابن أبي حاتم عن أنس قال : طلق النبي صلى اللَّه عليه وسلم حفصة ، فأتت أهلها ، فأنزل اللَّه - تعالى - هذه الآية . وقيل له : راجعها فإنها صوامة قوامة ، وهي من أزواجك في الجنة . وروى البخاري أن عبد اللَّه بن عمر ، طلق امرأة له وهي حائض ، فذكر عمر لرسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم ذلك ، فتغيظ صلى اللَّه عليه وسلم ثم قال : فليراجعها ، ثم يمسكها حتى تطهر ، ثم تحيض فتطهر ، فإن بدا له أن يطلقها فليطلقها طاهرا قبل أن يمسها ، فتلك العدة التي أمر اللَّه - تعالى - .

--> ( 1 ) سورة الأحزاب : الآية 49 .